صلاح معاطي
السلمانية
روايــــة
إهــــــــــــــداء
إلـى ذكـرى أيـام خــلت نســـيناها فنســـجناها مــن وحــي خــــيالنا ،
لنعــيش ذكــراها مــن جــديد ..
ونتغـنى مـعـا ترنيمـة العشـق التي تــردد صــداها فـي الزمــن البعــيد ،
فمــلأت الكــون حــــياة ..
مــــع تحياتي
صلاح معاطي
( 1 )
انحدرت الشمس وراء الأفق نحو المغيب واختفى قرصها الذهبي آذنا لليل أن يرخي أستاره ، عندما دخل " محمود القاضي " الحارة بزيه الميري ، ممسكا بيده اليمنى حقيبة صفراء صنع فيها الزمن صنيعه ، وأطبقت يده اليسرى على كيس يطل منه عنقود من العنب
ما أن سار بضع خطوات حتى اجتاحته زوبعة من الصبية جاءوا مهرولين وهم يرددون:
- فيه سيما عند الغريب ..
حاول أن يتفاداهم فاصطدم به صبي أوقع كيس العنب من يده وتبعثرت حباته نهض الصبي مسرعا كي يلحق بأترابه الذين داسوا بأقدامهم حبات العنب وهم مازالوا يرددون :
- فيه سيما عند الغريب ..
على أثر ذلك خرج " حميدي " بائع الحبال من كشكه الصغير الذي يقع على ناصية الحارة ناهرا إياهم بصوته الجهوري :
- امش منك له .. عيال ما يختشوش صحيح ..
يضحك محمود قائلا :
- حاجة بسيطة يا عم حميدي .. شقاوة عيال ..
يرد حميدي وهو يتعقب الصبي بعينيه :
- ديك النهار كسروا لي قزاز الكشك وقلت برضه شقاوة عيال . بس لما تقع في إيدي يا بن البتانوني ..
كل شيء في السلمانية على ما يرام . الزمن يدور ويتغير . السنون تجري مسرعة ، والناس كما هم منذ تباشير الصباح حتى ظلمة الليل .. نفس الأحداث والمشاحنات اليومية التي تحدث في الحارة الضيقة ، إما بسبب العيال ، أو بسبب معاكسة بنات الحارة .. كأن شريطا سينمائيا يعيد نفسه كل يوم .. حتى لعب الصبية أمام بيت " حسن عبد اللاه ذي الباب الحديدي ، وهم يصيحون بصوت عال ، فيتردد صدى صوتهم في أرجاء البيت المهجور منذ سنين فيهرعون في فزع وخوف ، متوهمين أن البيت تسكنه الجن والعفاريت ..
ضحك محمود في نفسه .. هو أيضا لعب نفس اللعبة وهو صغير ، وتذكر عندما كان يقف في الخلاء المطل على البحر وينادي أخاه " عوف " ، فيحدث نداؤه صدى يتردد في أرجاء المكان " آووف " .. فيقفز في رعب وفزع مبتعدا عن المكان ..
ابتسم محمود دون أن يدري ، واتسعت ابتسامته أكثر عندما تذكر شيئا سيكون مفاجأة لأبيه وأمه وأبنائه الذين ينتظرونه في البيت .. لقد نال شريطة رابعة ليصبح رقيبا أول في البوليس .. كان يشعر وهو يمشي في الحارة أن الجميع ينظرون إليه في إعجاب ، وأن هذه الشريطة الزائدة زادت من قدره أضعافا ..
ما أن رآه فوزي العدوي الكهربائي حتى أسرع إليه تاركا " فاترينته " الصغيرة الملاصقة لمقهى رمانة وهو يربت على موضع الشريطة :
- ألف بركة يا صول محمود .. أنت تستحق كل خير ..
- الله يبارك فيك يا أسطى فوزي ..
هرش فوزي رأسه الأصلع وقال محدثا محمود :
- هناك موضوع أريد أن أحدثك فيه ورجائي أن تجبر بخاطري ..
- تفضل يا فوزي قل ما عندك ..
- كما تعلم المعايش أصبحت صعبة الآن وهذه الفاترينة لا تغني من جوع والأرجل باتت ثقيلة إليها . تمر جمعة واثنان دون أن يأتي زبون .. لذلك أتعشم أن تجد لي عملا بأجر ثابت عندكم في الحكومة ..
- بإذن الله يا فوزي .
لم تكن المرة الأولى التي يفاتحه فيها فوزي العدوي في هذا الأمر ، فهذه هي عادته . الشكوى من الظروف والسخط على الأحوال والخوف من المجهول ، فما أن يلمح عابرا في الحارة يتوسم فيه المقدرة ، حتى يهرع إليه طالبا منه إيجاد عمل مناسب في شركة البترول أو السماد أو هيئة القناة أو حتى في البوليس .. فقد ترك فوزي مهنة الصيد التي توارثها أبا عن جد بهذه الطريقة ، وفتح له أبناء السلمانية هذه الفاترينة لكي يرتزق منها ، ومع ذلك لم يقنع بها وراح يتطلع إلى الوظيفة المضمونة ككثيرين من أبناء السلمانية .. عاد محمود يواصل سيره في الحارة متأملا البيوت الفقيرة المتلاصقة وراح يفكر ..
أصبحوا سبعة .. سبعة أنفس تعبر عن مطالبها دفعة واحدة .. الطعام الكساء العلاج لأي فرد يصيبه المرض فجأة - لا قدر الله - تضاعف راتبه خلال عشرين عاما قضاها في خدمة الشرطة ، كان خلالها رمزا للنزاهة والشرف والانضباط ، لم يتأخر يوما عن موعده دقيقة واحدة ، لم يحصل على إجازة منذ خمس سنوات ، ومع ذلك لا يكفي راتبه لسد مطالب الأسرة ، خاصة بعد أن رفع أبوه أجرة الحجرة التي ضاقت عليهم - تلك الحجرة التي تطل على مسقط البيت - حجرة صغيرة ضيقة كانت قديما تتجمع فيها المخلفات والقمامة وما يلقى من الطابقين العلويين للبيت من فضلات وبقايا طعام مما يتسبب في ثورة الأب وهياجه فيخرج يسب ويلعن سكان البيت جميعا ويجبر نساءهم رغما عنهم على النزول لتنظيف المسقط ومسحه حتى يعود أفضل مما كان ..
وعندما شرع محمود في الزواج من عائشة - ابنة أخي عبده الحريري زوج أخته سنية أقام له أبوه جدارا وسقفا محولا جزءا من المسقط إلى حجرة مستقلة عن البيت نظير جنيهين يدفعهما محمود أول كل شهر من راتبه الذي لا يزيد عن ستة جنيهات ، ودبر له الأب سريرا ودولابا وكرسيا ووابورا وماعونا وخلافه ، ثم مال عليه هامسا :
- تؤدي الغرض يا محمود حتى يفرجها ربنا ..
وبالرغم من ضيق الحجرة وعدم وجود مكان لوضع شيء آخر ، فأول ما يلفت انتباه الزائر وجود الكتب وانتشارها في كل مكان .. فإذا فتحت الدولاب أطلت من خلاله رزمة كتب ، وتحت السرير اصطفت مجموعة أخرى ، وأخيرا استطاع محمود أن يحصل على صندوق قديم ملقى في مخزن العهدة كان قديما حاويا للذخيرة .. نقله محمود إلى البيت وحوله إلى مكتبة صغيرة ضمت أمهات الكتب ، وعمد أبناؤه إلى ترتيب المكتبة وفهرستها حتى امتلأت وبدءوا يدفسون بقية الكتب دفسا .. ويختلف الابنان الكبيران معتز وعاطف في وضع كتاب من التراث بين كتب الفلسفة ، ويتهم أحدهما الآخر بأنه جاهل بأمور الفهرسة وترتيب الكتب ، ويؤدي الخلاف إلى مشاجرة ويصل صياحهما إلى جدتهما بالخارج ، فتصيح بدورها :
- يا ما قلت لك يا محمود تسيب لي الصندوق كي أضع فيه " الكراريات " ، لم نجن من ورائه إلا الشجار ..
ومع ذلك قنع محمود بحجرته الصغيرة التي تقع في حضن بيت أبيه بالسلمانية ، وشعر أن جذوره تمتد إلى أساس البيت فتمتزج برمله ومونته وحديده وخشبه ، وكان كثيرا ما يهدئ من تذمر زوجته وأبنائه من ضيق المكان ورغبتهم في تحسين وضعهم بالابتسام تارة والمزاح تارة وبالعقل والحكمة ثالثة حتى تهدأ نفوسهم وتصفو ..
رفض أبوه أن يعطيه الشقة المجاورة لشقتهم وعندما حدث أمه بشأنها نهرته قائلة :
- هل جننت يا محمود ؟ .. لو أعطيناك هذه الشقة من سيرضى يسكن حجرتك الضيقة هذه
سكت ولم يرد .. فكر في أن يبحث عن مسكن آخر بعيدا عن السلمانية ، لكن أمه صكت صدرها بيدها وهي تقول بصوت أوشك على البكاء :
- يا ندامة يا محمود .أتتركنا ونحن في هذه السن ؟ من سيرعانا ويرى مصالحنا ؟ أخوك عبد الحميد لم يعد يسأل عنا ، وعوف أنت أدرى به - يدك منه والأرض - لا نرى منه أبيض ولا أسود، وإذا رأيناه صدفة يذيع علينا نشرة أخبار ديونه . ليس لنا غيرك يا محمود ..
وفي كل مرة كانت هذه الكلمات ترده عن التفكير في ترك البيت ويعود ليصبر نفسه .. غدا يعدلها ربنا ويرزقني برزق عيالي ، المهم إرضاء الوالدين..
***
انتصف الليل أو كاد عندما دخل محمود الحارة واجما شارد الذهن مقطب الجبين ، فقد خاب ظنه عندما خيل إليه أنه سيصرف علاوة الترقية اليوم وعجز لسانه أن يتوجه إلى زميله صديق بالسؤال قارضا منه مبلغا من المال - فكرامته تأبى عليه ذلك - حتى أبو سنارة الخباز كان قد أغلق فرنه عندما مر عليه هذا المساء ، وعاد محمود خالي الوفاض . تحسس جيبه للمرة العشرين لعله يعثر على قرش مختبئ بين ثنايا الجيب .. كيف سيواجه زوجته التي تنتظر بالبيت ، فما أقسى من مواجهة رجل لا يملك شيئا لعيني امرأته - هاتان العينان تقولان الكثير دون أن يبوح اللسان بما يعتمل في القلب . وأشد ما كان يخشاه محمود أن يرى دموع عائشة .
قبل أن يصل محمود إلى البيت استرعى انتباهه شبحان واقفان أمام بيته كأنهما في انتظاره عندما اقترب منهما تبينت ملامحهما ، كان كامل البحيري وأخوه أمين . دنا منه كامل حاملا حقيبة في يده وراح يحييه :
- سعد مساؤك يا صول محمود .
أشاح محمود بوجهه وهو يرد باقتضاب :
- أهلا يا ريس كامل .
بادره كامل قائلا وهو يرسم على وجهه ابتسامة دافئة لتزيل ما بينهما من جليد :
- أ مازلت غاضب مني يا محمود . نحن جيران وأهل يا رجل .
- هذا الموضوع نسيته يا كامل .
اقترب منه كامل وهو يخفض من صوته :
- آه لو تلين دماغك يا محمود ؟
استدار محمود نحوه وراح يحدثه بعصبية :
- لو فتحت هذا الموضوع معي ثانية سيكون لي معك شأن آخر ، فأنا مازلت مراعيا حق الجوار
أمسك كامل بذراعه قبل أن يسرع إلى بيته :
- انتظر يا رجل . أتكره الثراء ؟ فكر في أبنائك يا محمود ، في مستقبلهم . إنني أعمل لصالحك . صدقني ، غيرك كثيرون يتمنون أن أمد لهم يدي ولكنني اخترتك أنت بالذات لكي أخرجك مما أنت فيه من بؤس وشقاء ، والنبي وصى على سابع جار .
صاح محمود بانفعال :
- وهل اشتكيت لك ؟ إنني لا أطعم أبنائي مالا حراما .
أسرع كامل يقول :
- ومن جاء بسيرة الحرام - لا سمح الله - أمانة وسأتركها عندك إلى حين ، أنت لا تعلم ما بداخلها .
أطرق محمود قليلا كأنه يفكر ، بينما كامل البحيري ينقل الحقيبة بين يديه وهو يتلفت حوله في قلق وتوتر شديدين ، وأخيرا رفع محمود عينيه في وجهه وصاح بلهجة حاسمة :
- برضه لا يا بحيري .
ثم قفل عائدا من حيث أتى ، وراح كامل البحيري يتبعه بعينيه فانضم إليه أخوه أمين وهو يسأله :
- ألم يوافق ؟
- وش فقر
ثم ابتسم كامل البحيري وصاح مناديا على ابنه :
- واد يا كركور . افعل ما قلته لك . دع الشرف ينفعك يا صول محمود .
وانفجرا ضاحكين .
كان محمود يسير مسرعا هائما على وجهه تحمله قدماه إلى حيث لا يدري ، تتصارع داخله مشاعر متباينة ، عيناه مغرورقتان بالدموع ، قلبه يدق في انفعال ، لسانه يتحرك داخل فمه دون أن ينطق ، عقله يتساءل دون أن يجد إجابة ، أذناه تلتقطان أصواتا عديدة لم يتبين منها شيئا .
أفاق على صوت سيارات الشرطة وهي تقترب من السلمانية ، أحس أنهم يقصدونه هو بالذات . راح يجري بكل قوته وهو يتساءل .. ما الذي تريده يا محمود ؟ الحياة تهزك بعنف تطلب منك أكثر مما في استطاعتك . الجميع ينتظرونك الآن وينتظرون معك العلاوة . ماذا ستقول لهم ؟
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ