Yahoo!

 

موقع خاص بالمؤلفات الأدبية

 للكاتب المصري الأستاذ / صلاح معاطي

*******


خيوط العنكبوت

كتبها صلاح معاطي ، في 3 مارس 2007 الساعة: 14:23 م

دق الباب وانتظر لحظة. لم يفتح أحد. دقه بشدة. لم يفتح أحد أيضا. ركله بقدمه عدة مرات دون جدوى. صار يدق الباب بيديه ويركله بقدميه بنفاد صبر. نفخ بفمه في ضيق، ضرب كفا بكف في غيظ ثم سار وهو يزوم يسب ويلعن ويتوعد أثناء نزوله الدرجات.

    داخل الشقة. لا أثر لحياة إنسان. الشقة غارقة في الظلام والسكون إلا من حجرة مغلقة ينبعث منها ضوء باهت آت من شمعة. خلف الباب كل شيء ساكن بلا حراك إلا من ضوء الشمعة الذي يتراقص يمينا ويسارا فيضيء بالكاد بعض الأشياء ويضفي على الغرفة مزيدا من الكآبة.

    حوائط صفراء باهتة تساقط جيرها من أماكن متفرقة. تكونت في أماكن أخرى طبقات بكتيرية بيضاء صنعتها الرطوبة. نسيج العنكبوت ينتشر هنا وهناك. الأشياء ملقاة على الأرض بلا اهتمام. قطع قماش بالية، ملابس رثة قديمة اختلطت بالغبار، جرائد وأوراق مبعثرة، رائحة عطنة تملأ المكان.

    الحجرة خالية من الأثاث إلا من دولاب صغير تركت ضلفتاه مفتوحتين، مقعد خشبي قديم بدون قاعدة، سرير صغير يكفي لشخص واحد تنكش فوقه غطاء بال. في ركن قبع شبح لم تبق منه سوى أطلال إنسانية بالية. جلس القرفصاء دافنا وجهه بين راحتيه. ضوء الشمعة يتراقص فوق جسده المكور على الفراش. رفع وجها شاحبا فبدت عيناه كثقبين غائرين فيه. كان يحملق في لا شيء. يجول ببصره في أنحاء الحجرة الضيقة كأنه يراها للمرة الأولى..

    لليوم العاشر وهو سجين تلك الحجرة، اختلطت أنفاسه بهوائها فعاد يستنشق أنفاسه ثانية، لم ير وجه إنسان قط حتى كاد ينسى ملامح البشر.. راح يمد ساقا إلى الأمام ثم تحسس ذقنه التي لم يزرها الموس طوال الأيام الماضية. لم يلبث أن عاد يجلس القرفصاء وهو يدفن وجهه بين كفيه..

    ما أسهل اتخاذ القرار، وما أصعب تنفيذه ؟

    ما الصعوبة في ذلك ؟ إنه أسهل بكثير من الواقع الذي تعيشه الآن. هيا قم. انهض. السكين أمامك على الأرض. تحرك. أمسك بها هكذا. نعم. لا تخف. هيا ارفعها عاليا. اضبط أعصابك. لا تجعل يدك تهتز. لا تفكر في شيء. هيا بكل قوتك. دسها داخل صدرك.

    ما أسهل اتخاذ القرار،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عيناها

كتبها صلاح معاطي ، في 6 يناير 2007 الساعة: 14:32 م

عيناها

قصة : صلاح معاطي 

    هذه هي المرة الثالثة التي ألتقي بها اليوم على غير موعد . كانت الأولى في الصباح عندما كنت أقود سيارتي متوجها إلى عملي بمركز الاتصالات الفضائية ، فوجئت بها تتخطاني بسيارتها ثم رمقتني بعينيها وانطلقت مسرعة . والثانية في حوالي الواحدة ظهرا بينما كنت أعبر الممر المؤدي إلى مكتبي ، وجدتها آتية نحوي مسرعة ، ثم أبطأت قليلا وهي تتأملني وابتعدت عني مرة أخرى .. أما الثالثة فهي الآن وأنا أقضي السهرة مع زوجتي في ملهى النجوم ، كانت منشغلة بالرقص مع شاب كثيف الشعر في حوالي السابعة والعشرين من عمره ، وعندما رأتني حدجتني بنظرة طويلة من وراء كتفه ، ثم انهمكت في الرقص بعد ذلك ..

    وفي المرات الثلاث التي رأيتها فيها اليوم لاحظت أن بعينيها شيئا غريبا لم أجده في أي عين أخرى ولا حتى في عيني زوجتي اللتين بدأ النعاس يغشاهما ، وراحت تقول :

-         محمود هيا بنا ..

    أدرت محرك سيارتي وانطلقت وأنا مازلت أفكر .. غريبة تلك الفتاة .. وعيناها اللتان يطل منهما شعاع غريب .. أي صدفة هذه التي جعلتني ألتقي بها   ثلاث مرات في يوم واحد .

    ما أن وصلنا البيت حتى توجهت مباشرة إلى غرفة مكتبي ، بينما صعدت زوجتي إلى غرفة نومها بالطابق الثاني وهي تجر قدميها جرا .. وأنا أراقبها حتى سمعت باب غرفتها يوصد .. عندئذ أشعلت سيجارة ، ورحت أزرع حجرة مكتبي جيئة وذهابا بخطوات بطيئة وأنا أفكر ..

    هاتان العينان كانتا تقصداني بالذات . أم أنها محض صدفة ؟ .. لكنهما كانتا تنظران لي وكأنهما تعرفاني ..

    مصمصت شفتي في تعجب ، وجلست على مكتبي قائلا : ربما نكون قد التقينا قبل الآن .. ولكنني لا أذكر أني رأيتها من قبل !

    نفخت بفمي .. دعك من ذات العيون الساحرة الآن ، فلتنتهي أولا من كتابة المقال الذي سينشر في مجلة العلم الأسبوع القادم .. لكن يبدو أنني لن أستطيع كتابة حرف واحد الآن ، فالنوم بدأ يتسلل إلى جفوني أنا الآخر ..

    تثاءبت وأنا أدفن وجهي بين كفي ، ويبدو أنني رحت في إغفاءة لأنني انتفضت فجأة على رنين جرس الباب .. ترى من الطارق ؟ إن الوقت متأخر الآن ، وليس هذا موعدا للزيارات .. فأنا رجل منظم للغاية والجميع يعرفون ذلك عني ، فلا مكالمات تليفونية بعد العاشرة مساء ، ولا زيارات بدون موعد سابق ولا أحد يدخل مكتبي بعد منتصف الليل حتى ولا زوجتي ..

    شدني جرس الباب ثانية فأسرعت إليه ، وبحذر بدأت أفتح الباب وعيناي مصوبتان على الزائر الغريب .. من يكون ؟

    ووقعت عيناي على المفاجأة .. كانت هي .. هي ذات العينين الساحرتين بلحمها وشحمها ، وعلى فمها ابتسامة هادئة ، وفي عينيها ذلك البريق الأخاذ .. لم أكن أتوقع أن تكون هي ،  وتمالكت فرحت أقول وكأنني أعرفها منذ زمن بعيد:

-         أنت .. تفضلي ..

    راحت تتقدمني وهي تخطو بدلال ورشاقة ، ثم استدارت وهي تزيح من على جبينها خصلة من شعرها الأسود الفاحم المنسدل خلفها في انسيابية ، بينما مازلت أحاول أن أتذكر متى وأين التقينا .. لم أجهد ذاكرتي كثيرا فرحت أسألها :

-         يبدو أن كلانا يعرف الآخر .. نحن التقينا قبل الآن .. أليس كذلك ؟

    لم ترد بل ظلت واقفة تنظر إلي وعلى شفتيها نفس الابتسامة ، فقلت لها :

-         تفضلي إلى حجرة مكتبي .. تفضلي ..

    بنفس خطواتها الرشيقة الهادئة دخلت حجرة المكتب وهي تتلفت يمنة ويسرة تتأمل البيت ، بينما رحت أعد لها كوبا من الليمون المثلج .

    لم أر في حياتي جمالا مثل جمالها ، من يراها للوهلة الأولى يظن أنها لاعبة باليه محترفة .. عودها الممشوق .. قوامها الفارع ..شعرها الأسود الناعم المنسدل خلفها تاركة خصلة منه فوق جبينها .. وجهها الذي تطل منه براءة طفولية نادرة .. وعيناها .. عيناها اللتان بهما سحر وجاذبية لم تستطع عيناي أن تديم النظر إليهما ..

    لم تمض سوى بضع دقائق حتى كنت أخطو مسرعا تجاه حجرة مكتبي وفي يدي كوب الليمون ، عندما دخلت وجدتها واقفة تتأمل صورة ابنتي على المكتب فصحت ضاحكا :

-         هذه رانيا ابنتي .. جميلة أليست كذلك ؟  ولكنها طفلة شقية للغاية كثيرا ما تعبث بأوراقي .. تفضلي الليمون ..

    جلست على المقعد الموازي لمكتبي وبدأت ترتشف في هدوء دون أن تنبث .. حتى قلت لها :

-         معذرة .. يبدو أن ذاكرتي خانتني ولم أتذكر بعد متى وأين التقينا ؟

    ضحكت برقة وقالت بصوت يقطر عذوبة :

-         أمصرا أن تعرف ؟

-          على رسلك .. ولكن أريد أن أعرف سبب تلك الزيارة الغريبة ..

    مرت فترة صمت قطعتها قائلة :

-         أولا إننا لم نلتق من قبل …

-          وكيف عرفتني إذن مادمنا لم نلتق من قبل ؟

-          ومن لا يعرف  الدكتور محمود رضوان عالم الفضاء ومدير مركز الاتصالات الأرضية الفضائية ؟

-          من أنت إذن ؟

    أطرقت برهة ثم رفعت رأسها ونطقت بحروف غريبة لم أستوعب منها شيئا، فقلت متعجبا :

-         أهذا اسمك يا آنسة ؟ انه غريب جدا . يبدو أنك لست من سكان تلك البلدة ..

    ووجدتها تطلق زفرة شعرت أنها تخرج من أغوار قلبها وتقول :

-         بل إنني لست من سكان هذا الكوكب ..

    لم أرد فقد عقدت الدهشة لساني .. امرأة ألتقي بها ثلاث مرات في يوم واحد بطريق الصدفة تأتي إلي بعد منتصف الليل والأغرب من ذلك تدعي أنها من كوكب آخر .. ولكنها عادت تقول بأسى :

-         هكذا يخيل لي ..

    نفخت في ضجر :

-         إنني لا أفهمك .. أرجوك أوضحي أكثر ..

-    شعور غريب يجتاحني يا دكتور . أشعر أنني أنتمي إلى كوكب آخر غير الأرض ، وأن لي اسما آخر هو ذلك الاسم الذي نطقته لك الآن ، وتتسلط علي قوى خارقة فأحس بأذني تلتقط كلاما غريبا ، وأن عيني ترى أشياء لم ترها من قبل وأن هاتفا ينادي ذاك الاسم الغريب .. اسمي ..

    قلت لها مقاطعا :

-         هل تعرفين اسم ذلك الكوكب ؟

    صمتت قليلا كأنها تتذكر ثم نطقت :

-         سيريس .. !

     شردت وأنا أردد  :

-         سيريس .. إنه واحد من الكويكبات الصغيرة التي تدور بين الكواكب .. لم يوجه علماؤنا أنظارهم إليه لتفاهة حجمه ..

    بدأ صوتها يتحشرج وقد لمعت في عينيها دمعتان :

- أخشى أن أجن يا دكتور .. دائما أرى أناسا يتوعدونني ويبغون قتلي ، وكلما حاولت الصراخ أجد صوتي يختنق وأشعر أن قدمي فقدت القدرة على الجري ..

    سكتت قليلا لتلتقط أنفاسها وقالت بصوت أوشك على البكاء :

-   منذ حوالي أسبوعين كنت عائدة إلى منزلي ليلا متعبة فجأة وجدت نفسي أسير في طريق آخر لا أعرفه وتلونت السماء بلون غريب لم تألفه عيناي .. دق قلبي .. هل ضللت الطريق ؟ .. رأيت أمامي رجلا ماردا عملاقا ذا وجه قميء ظل ينادي ذلك الاسم الغريب .. لم أحتمل . أخذت أجرى بأقصى ما يمكنني وهو خلفي محاولا اللحاق بي حتى اصطدمت أخيرا بفتاة عندما نظرت في وجهها انتفضت في مكاني و صرخت بقوة وغبت عن الوعي .. هل تعرف من كانت هذه الفتاة ؟

    صحت بشغف :

-         من ؟!

-         كنت أنا .. نفس الوجه والجسد والروح أيضا وكأنني أنظر في مرآة أمامي .

    انتفضت في مقعدي وراحت إحدى يدي تبحث عن علبة سجائري فوق المكتب بينما ذهبت الأخرى لتلتقط المنديل من جيبي لتجفف العرق الذي تصبب فوق جبهتي ، وبيد مرتعشة وضعت سيجارة بين شفتي و رحت أسألها :

-         ولكن كيف حدث هذا ؟

    روت وهي تهز رأسها في حيرة :

-         لا أدري .. لقد تكرر هذا المشهد أكثر من ثلاث مرات بعد ذلك .

    ثم سكتت قليلا وأضافت :

-   من أجل ذلك جئت إليك في هذه الساعة المتأخرة لتعاونني .. ربما يكون لديك حل لمشكلتي وتنقذني مما أنا فيه قبل أن أجن أو أموت .. أرجوك يا دكتور ساعدني .. أنقذني من الأشباح ..

-    اطمئني يا آنسة سوف أبحث هذا الأمر بنفسي ربما تكونين أنت صاحبة الفضل في كشف الغموض الذي يحيط بهذا الكويكب الصغير " سيريس "  والتوصل إلى وجود كائنات كوكبية غير الإنسان لأول مرة ..

    مدت الفتاة يدا رقيقة خشيت أن أقبض عليها فتتفتت بين أصابعي ، ثم ابتسمت لي وهي تقول :

-         آسفة إن كنت سببت لك إزعاجا الليلة ..

-          إلى اللقاء غدا مساء في ملهى النجوم ..

    وقبل أن ترحل سألتها :

-         كدت أنسى .. لم أعرف اسمك الحقيقي حتى الآن …

    ابتسمت وهي تشيح بوجهها إلى الناحية الأخرى :

-         ســميرة 000

***

    أشرفت الساعة على الثامنة مساء ولم تحضر سميرة بعد وأنا جالس أنتظر تحيطني وجوه رواد ملهى النجوم وأصداء الموسيقى الصاخبة تملأ المكان فيتردد صداها في أنحاء جسدي فأشعر بها تهزني هزا ومازالت صورة سميرة ماثلة أمام عيني لم تفارقها .. أصادقة هذه الفتاة فيما تقول ؟ أم أنها تعاني من مرض نفسي جعلها فريسة للأوهام والتخيلات ..

    ونظرت في ساعتي للمرة العشرين ، ولما أشرفت على الثامنة والنصف قررت أن أغادر المكان .. وقبل أن أفعل وجدتها تدخل القاعة وهي ترفل في فستان سهرة فضفاض أسود اللون ، وتحولت الأنظار إليها .. كانت جميلة للغاية وكأنني لم أرها من قبل .. عندما اقتربت فرجت عن ابتسامة رقيقة كشفت عن أسنان ناصعة .. وقفت وأنا أمد إليها ثم أجلستها .. وسألتني بلهفة :

-         هل عرفت شيئا جديدا عن الكوكب " سيريس " ؟

-    ليس كثيرا .. كل معلوماتي عنه أنه كوكب غامض صغير يوجد في منطقة من الأشلاء الكوكبية تسمى نطاق الكويكبات .. نتج هذا الكوكب الصغير مع عدد من الكويكبات الأخرى نتيجة تصادم وقع قديما بين كوكبي المريخ والمشتري ، والغريب أن كل الكويكبات الأخرى لها أشكال غير منتظمة إلا "سيريس" فهو كروي مثل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السلمانية

كتبها صلاح معاطي ، في 19 ديسمبر 2006 الساعة: 14:47 م

صلاح معاطي

 

 

السلمانية

 

 

 

 

روايــــة

 

 

 

إهــــــــــــــداء

   

 

 

 

 

    إلـى ذكـرى أيـام خــلت نســـيناها فنســـجناها مــن وحــي خــــيالنا ،

 لنعــيش ذكــراها مــن جــديد ..

 ونتغـنى مـعـا ترنيمـة العشـق التي تــردد صــداها فـي الزمــن البعــيد ،

     فمــلأت الكــون حــــياة ..

 

 

 

 

 

مــــع تحياتي

صلاح معاطي

 

( 1 )

 

    انحدرت الشمس وراء الأفق نحو المغيب واختفى قرصها الذهبي آذنا لليل أن يرخي أستاره ، عندما دخل " محمود القاضي " الحارة  بزيه الميري ، ممسكا بيده اليمنى حقيبة صفراء صنع فيها الزمن صنيعه ، وأطبقت يده اليسرى على كيس يطل منه عنقود من العنب

    ما أن سار بضع خطوات حتى اجتاحته زوبعة من الصبية جاءوا مهرولين وهم يرددون:

-         فيه سيما عند الغريب ..

    حاول أن يتفاداهم فاصطدم به صبي أوقع كيس العنب من يده وتبعثرت حباته  نهض الصبي مسرعا كي يلحق بأترابه الذين داسوا بأقدامهم حبات العنب وهم مازالوا يرددون :

-         فيه سيما عند الغريب ..

    على أثر ذلك خرج " حميدي " بائع الحبال من كشكه الصغير الذي يقع على ناصية الحارة ناهرا إياهم بصوته الجهوري :

-         امش منك له .. عيال ما يختشوش صحيح ..

    يضحك محمود قائلا :

-         حاجة بسيطة يا عم حميدي .. شقاوة عيال ..

    يرد حميدي وهو يتعقب الصبي بعينيه :

-          ديك النهار كسروا لي قزاز الكشك وقلت برضه شقاوة عيال . بس لما تقع في إيدي يا بن البتانوني ..

    كل شيء في السلمانية على ما يرام . الزمن يدور ويتغير . السنون تجري مسرعة ، والناس كما هم منذ تباشير الصباح حتى ظلمة الليل .. نفس الأحداث والمشاحنات اليومية التي تحدث في الحارة الضيقة ، إما بسبب العيال ، أو بسبب معاكسة بنات الحارة .. كأن شريطا سينمائيا يعيد نفسه كل يوم .. حتى لعب الصبية أمام بيت " حسن عبد اللاه ذي الباب الحديدي ، وهم يصيحون بصوت عال ، فيتردد صدى صوتهم في أرجاء البيت المهجور منذ سنين فيهرعون في فزع وخوف ، متوهمين أن البيت تسكنه الجن والعفاريت ..

    ضحك محمود في نفسه .. هو أيضا لعب نفس اللعبة وهو صغير ، وتذكر عندما كان يقف في الخلاء المطل على البحر وينادي أخاه " عوف " ، فيحدث نداؤه صدى يتردد في أرجاء المكان " آووف " .. فيقفز في رعب وفزع مبتعدا عن المكان ..

    ابتسم محمود دون أن يدري ، واتسعت ابتسامته أكثر عندما تذكر شيئا سيكون مفاجأة لأبيه وأمه وأبنائه الذين ينتظرونه في البيت .. لقد نال شريطة رابعة ليصبح رقيبا أول في البوليس .. كان يشعر وهو يمشي في الحارة أن الجميع ينظرون إليه في إعجاب ، وأن هذه الشريطة الزائدة زادت من قدره أضعافا ..

    ما أن رآه فوزي العدوي الكهربائي حتى أسرع إليه تاركا " فاترينته " الصغيرة الملاصقة لمقهى رمانة وهو يربت على موضع الشريطة :

-         ألف بركة يا صول محمود .. أنت تستحق كل خير ..

-          الله يبارك فيك يا أسطى فوزي ..

    هرش فوزي رأسه الأصلع وقال محدثا محمود :

-         هناك موضوع أريد أن أحدثك فيه ورجائي أن تجبر بخاطري ..

-          تفضل يا فوزي قل ما عندك ..

-    كما تعلم المعايش أصبحت صعبة الآن وهذه الفاترينة لا تغني من جوع والأرجل باتت ثقيلة إليها . تمر جمعة واثنان دون أن يأتي زبون .. لذلك أتعشم أن تجد لي عملا بأجر ثابت عندكم في الحكومة ..

-          بإذن الله يا فوزي .

    لم تكن المرة الأولى التي يفاتحه فيها فوزي العدوي في هذا الأمر ، فهذه هي عادته .  الشكوى من الظروف والسخط على الأحوال والخوف من المجهول ، فما أن يلمح عابرا في الحارة يتوسم فيه المقدرة ، حتى يهرع إليه طالبا منه إيجاد عمل مناسب في شركة البترول أو السماد أو هيئة القناة أو حتى في البوليس .. فقد ترك فوزي مهنة الصيد التي توارثها أبا عن جد بهذه الطريقة ، وفتح له أبناء السلمانية هذه الفاترينة لكي يرتزق منها ، ومع ذلك لم يقنع بها وراح يتطلع إلى الوظيفة المضمونة ككثيرين من أبناء السلمانية  .. عاد محمود يواصل سيره في الحارة متأملا البيوت الفقيرة المتلاصقة وراح يفكر ..

    أصبحوا سبعة .. سبعة أنفس تعبر عن مطالبها دفعة واحدة .. الطعام الكساء العلاج لأي فرد يصيبه المرض فجأة - لا قدر الله - تضاعف راتبه خلال عشرين عاما قضاها في خدمة الشرطة ، كان خلالها رمزا للنزاهة والشرف والانضباط ، لم يتأخر يوما عن موعده دقيقة واحدة ، لم يحصل على إجازة منذ خمس سنوات ، ومع ذلك لا يكفي راتبه لسد مطالب الأسرة ، خاصة بعد أن رفع أبوه أجرة الحجرة التي ضاقت عليهم - تلك الحجرة التي تطل على مسقط البيت - حجرة صغيرة ضيقة كانت قديما تتجمع فيها المخلفات والقمامة وما يلقى من الطابقين العلويين للبيت من فضلات وبقايا طعام مما يتسبب في ثورة الأب وهياجه فيخرج يسب ويلعن سكان البيت جميعا ويجبر نساءهم رغما عنهم على النزول لتنظيف المسقط ومسحه حتى يعود أفضل مما كان ..

    وعندما شرع محمود في الزواج من عائشة - ابنة أخي عبده الحريري زوج أخته سنية أقام له أبوه جدارا وسقفا محولا جزءا من المسقط إلى حجرة مستقلة عن البيت نظير جنيهين يدفعهما محمود أول كل شهر من راتبه الذي لا يزيد عن ستة جنيهات ، ودبر له الأب سريرا ودولابا وكرسيا ووابورا وماعونا وخلافه ، ثم مال عليه هامسا :

-         تؤدي الغرض يا محمود حتى يفرجها ربنا ..

    وبالرغم من ضيق الحجرة وعدم وجود مكان لوضع شيء آخر ، فأول ما يلفت انتباه الزائر وجود الكتب وانتشارها في كل مكان .. فإذا فتحت الدولاب أطلت من خلاله رزمة كتب ، وتحت السرير اصطفت مجموعة أخرى ، وأخيرا استطاع محمود أن يحصل على صندوق قديم ملقى في مخزن العهدة كان قديما حاويا للذخيرة .. نقله محمود إلى البيت وحوله إلى مكتبة صغيرة ضمت أمهات الكتب ، وعمد أبناؤه إلى ترتيب المكتبة وفهرستها حتى امتلأت وبدءوا يدفسون بقية الكتب دفسا .. ويختلف الابنان الكبيران معتز وعاطف في وضع كتاب من التراث بين كتب الفلسفة ، ويتهم أحدهما الآخر بأنه جاهل بأمور الفهرسة وترتيب الكتب ، ويؤدي الخلاف إلى مشاجرة ويصل صياحهما إلى جدتهما بالخارج ، فتصيح بدورها :

-         يا ما قلت لك يا محمود تسيب لي الصندوق كي أضع فيه " الكراريات " ، لم نجن من ورائه إلا الشجار ..

    ومع ذلك قنع محمود بحجرته الصغيرة التي تقع في حضن بيت أبيه بالسلمانية ، وشعر أن جذوره تمتد إلى أساس البيت فتمتزج برمله ومونته وحديده وخشبه ، وكان كثيرا ما يهدئ من تذمر زوجته وأبنائه من ضيق المكان ورغبتهم في تحسين وضعهم بالابتسام تارة والمزاح تارة وبالعقل والحكمة ثالثة حتى تهدأ نفوسهم وتصفو ..

    رفض أبوه أن يعطيه الشقة المجاورة لشقتهم وعندما حدث أمه بشأنها نهرته قائلة :

-         هل جننت يا محمود ؟ .. لو أعطيناك هذه الشقة من سيرضى يسكن حجرتك الضيقة هذه

    سكت ولم يرد .. فكر في أن يبحث عن مسكن آخر بعيدا عن السلمانية ، لكن أمه صكت صدرها بيدها وهي تقول بصوت أوشك على البكاء :

-    يا ندامة يا محمود .أتتركنا ونحن في هذه السن ؟ من سيرعانا ويرى مصالحنا ؟ أخوك عبد الحميد لم يعد يسأل عنا ، وعوف أنت أدرى به - يدك منه والأرض - لا نرى منه أبيض ولا أسود، وإذا رأيناه صدفة يذيع علينا نشرة أخبار ديونه . ليس لنا غيرك يا محمود ..

    وفي كل مرة كانت هذه الكلمات ترده عن التفكير في ترك البيت ويعود ليصبر نفسه .. غدا يعدلها ربنا ويرزقني برزق عيالي ، المهم إرضاء الوالدين..           

***

    انتصف الليل أو كاد عندما دخل محمود الحارة واجما شارد الذهن مقطب الجبين ، فقد خاب ظنه عندما خيل إليه أنه سيصرف علاوة الترقية اليوم وعجز لسانه أن يتوجه إلى زميله صديق بالسؤال قارضا منه مبلغا من المال - فكرامته تأبى عليه ذلك - حتى أبو سنارة الخباز كان قد أغلق فرنه عندما مر عليه هذا المساء ، وعاد محمود خالي الوفاض . تحسس جيبه للمرة العشرين لعله يعثر على قرش مختبئ بين ثنايا الجيب .. كيف سيواجه زوجته التي تنتظر بالبيت ، فما أقسى من مواجهة رجل لا يملك شيئا لعيني امرأته - هاتان العينان تقولان الكثير دون أن يبوح اللسان بما يعتمل في القلب . وأشد ما كان يخشاه محمود أن يرى دموع عائشة .

قبل أن يصل محمود إلى البيت استرعى انتباهه شبحان واقفان أمام بيته كأنهما في انتظاره عندما اقترب منهما تبينت ملامحهما ، كان كامل البحيري وأخوه أمين . دنا منه كامل حاملا حقيبة في يده وراح يحييه :

-         سعد مساؤك يا صول محمود .

    أشاح محمود بوجهه وهو يرد باقتضاب :

-          أهلا يا ريس كامل .

    بادره كامل قائلا وهو يرسم على وجهه ابتسامة دافئة لتزيل ما بينهما من جليد :

-         أ مازلت غاضب مني يا محمود . نحن جيران وأهل يا رجل .

-          هذا الموضوع نسيته يا كامل .

    اقترب منه كامل وهو يخفض من صوته :

-         آه لو تلين دماغك يا محمود ؟

    استدار محمود نحوه وراح يحدثه بعصبية :

-         لو فتحت هذا الموضوع معي ثانية سيكون لي معك شأن آخر ، فأنا مازلت مراعيا حق الجوار

    أمسك كامل بذراعه قبل أن يسرع إلى بيته :

-    انتظر يا رجل . أتكره الثراء ؟ فكر في أبنائك يا محمود ، في مستقبلهم . إنني أعمل لصالحك . صدقني ، غيرك كثيرون يتمنون أن أمد لهم يدي ولكنني اخترتك أنت بالذات لكي أخرجك مما أنت فيه من بؤس وشقاء ، والنبي وصى على سابع جار .

    صاح محمود بانفعال :

-         وهل اشتكيت لك ؟ إنني لا أطعم أبنائي مالا حراما .

    أسرع كامل يقول :

-         ومن جاء بسيرة الحرام - لا سمح الله - أمانة وسأتركها عندك إلى حين ، أنت لا تعلم ما بداخلها .

    أطرق محمود قليلا كأنه يفكر ، بينما كامل البحيري ينقل الحقيبة بين يديه وهو يتلفت حوله في قلق وتوتر شديدين ، وأخيرا رفع محمود عينيه في وجهه وصاح بلهجة حاسمة :

-         برضه لا يا بحيري .

    ثم قفل عائدا من حيث أتى ، وراح كامل البحيري يتبعه بعينيه فانضم إليه أخوه أمين وهو يسأله :

-         ألم يوافق ؟

-          وش فقر

    ثم ابتسم كامل البحيري وصاح مناديا على ابنه :

-         واد يا كركور . افعل ما قلته لك . دع الشرف ينفعك يا صول محمود .

    وانفجرا ضاحكين .

    كان محمود يسير مسرعا هائما على وجهه تحمله قدماه إلى حيث لا يدري ، تتصارع داخله مشاعر متباينة ، عيناه مغرورقتان بالدموع ، قلبه يدق في انفعال ، لسانه يتحرك داخل فمه دون أن ينطق ، عقله يتساءل دون أن يجد إجابة ، أذناه تلتقطان أصواتا عديدة لم يتبين منها شيئا .

    أفاق على صوت سيارات الشرطة وهي تقترب من السلمانية ، أحس أنهم يقصدونه هو بالذات . راح يجري بكل قوته وهو يتساءل .. ما الذي تريده يا محمود ؟ الحياة تهزك بعنف تطلب منك أكثر مما في استطاعتك . الجميع ينتظرونك الآن وينتظرون معك العلاوة . ماذا ستقول لهم ؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بو

كتبها صلاح معاطي ، في 19 ديسمبر 2006 الساعة: 14:39 م

 

بو

 

    ألقيت بجسدي المنهك من طول السفر على أول مقعد صادفني ، وأخذت أمسح آثار الأتربة التي علقت بوجهي ، بينما تركت حقائبي لخادمي الصغير "محمد" الذي أسرع بوضعها في حجرتي ثم طفق يردد :

-         خدمة ثانية يا دكتور ؟

-          من فضلك يا محمد أريد علبة سجائر ..

    أسرع محمد من أمامي لكي يحضر السجائر وسمعت صوت الباب يوصد ، لفني الصمت والهدوء .. فقمت لأطل من النافذة ..

    يا لجمال الطبيعة الفطري .. ما أشد حاجة الإنسان إلى هذا الهدوء ، فترددات الأصوات الصاخبة تؤثر على خلايا العقل وتصيبها بالاضطراب والتوتر والقلق .. نسينا هذا الجمال في زحمة المواصلات  وضجيج السيارات ..

    معذرة إذ نسيت أقدم نفسي .. أنا الدكتور رفيق عبد الوهاب .. دكتوراه في علم الوراثة .. طبيعة عملي كعالم وباحث في الوراثة تجعلني متذوقا للجمال بكل صوره .. مهمتي التنقيب في هذا الكون العريض باحثا عن الجمال ، فقد أجده في صورة مكبرة لميكروب ، أو أجده في شريحة لخلية حية تحت عدسة مجهر ، وأحيانا أشعر به وأنا أتتبع طور الحياة لفراشة أو بعوضة أو سمكة .. ولا يقتصر الجمال على الأشياء المرئية ، فهناك ما هو أروع وأكثر جمالا ولا يرى بالعين المجردة .. فما بالك لو نظرت داخل عدسة ميكروسكوب لترى الشريط الوراثي الحلزوني الذي يحمل بين طياته سر الحياة .. هذا هو الجمال بعينه ..

    ابتعدت عن النافذة .. أخذت أتجول داخل البيت .. كما هو منذ تركته آخر مرة قبل ثلاثة أشهر .. ما زالت الفئران التي أجري عليها التجارب بداخل أقفاصها .. رحت أداعبها فأخذت تجري هنا وهناك .. استدرت لأتأمل بعض النباتات كنت قد وضعت بذورها منذ أسابيع في أصص صغيرة ، هاهي قد بدأت تنمو الآن ..

    قطعني من تأملاتي فجأة قرع على الباب . اتجهت ناحيته لأجد أمامي محمدا وجهه مصفرا عيناه زائغتان يرتعد كأن شيطانا مسه .. دخل مسرعا وهو يتعثر حتى كاد يقع .. سألته منزعجا :

-         ما الذي أصابك ؟

صاح متلعثما بحروف لا تكاد تخرج من فمه :

-          العفريت .. العفريت

    نهرته :

-         ما هذه التخاريف ؟

-          أقسم لك أني رأيته بعيني هاتين .. عاد " بو " مرة أخرى ..

    صحت مندهشا :

-         بو ؟

    أجاب وهو يحكم إغلاق نافذة كانت مفتوحة :

-         هكذا أطلقنا عليه هنا لأنه لا يردد غير هذه الكلمة ..

-          دع النافذة مفتوحة وتعال معي لتريني عفريتك هذا ..

    اتخذت طريقي بين الحقول وأنا شارد الذهن ، بينما مضى محمد يتحدث عن عفريته " بو " وهو يصف خوارقه العجيبة . لكنني لم أسمع منه كلمة واحدة ، فقد كنت مأخوذا بهذا الجو الخلاب .. فجأة مرقت بجانب رأسي قطعة من الحجر كادت تصيبني . التفت بسرعة خلفي فلم أر إلا الحقول الخضراء المترامية ، وأعواد الذرة ، وخيال الحقل.. اقتربت من أعواد الذرة بحذر فبرز لي من بين الأعواد الكثيفة شيء جعلني تراجعت بسرعة إلى الخلف ..

    جسد ضخم ذو وجه قميء بشع لا تستطيع أن تديم النظر إليه .. عينان ضيقتان زائغتان لا تنظران إلى شيء محدد .. أسنان معوجة كئيبة .. لسان يتدلى من فم غائر كبير يسيل منه اللعاب بشكل مقزز .. أنف أفطس ..  كان يبتسم في بلاهة مادا يدين غليظتين بهما أصابع قصار ويردد بصوت أجش :

-         بو .. بو ..

    لم أحسب كم مر من وقت وأنا أنظر إليه متأملا حتى أنني لم أشعر بمحمد الذي فر هاربا وهو يصرخ .. وسرحت .. ربما يتساءل البعض عن سبب شرودي وأنا عالم وراثة ، من المؤكد أني قابلت في حياتي العديد من هؤلاء الأشخاص .. ولكن أحيانا يسترعي انتباهنا موقف ربما يكون قد مر بنا عشرات المرات دون أن نعيره اهتماما .. وفي لحظة واحدة تختلف عن كل اللحظات نتوقف لنتساءل : كيف حدث هذا ؟ 

    ففي كل يوم تلقي لنا الطبيعة بشيء جديد غير مألوف لنا ، فنصول ونجول وتقوم قيامتنا نحن علماء الطبيعة .. فتارة نسمع عن امرأة وضعت طفلا شبيها بالقرد ، وتارة  نرى رجلا له خفي جمل وتارة أخرى نقرأ عن قطة تنجب أرنبا وغير ذلك كثير من الطفرات التي تذهل العقول وتحير الألباب .. ما معنى هذا ؟ هل بداية لظهور سلالات جديدة سوف تكون لها السيادة على الأرض ؟ أم أنه سخط من الله ؟ ..

    فجأة لمحته ينظر إلى خيال الحقل في بلاهة .. اقتربت منه دون أن يشعر بي ثم وضعت يدي على كتفه ، فالتفت إلى مسرعا وهو يغطي وجهه بيده كمن يحاول أن يصد ضربة مفاجئة .. ابتسمت إليه مطمئنا إياه ، فتوجس خيفة وهو ينكمش في نفسه ويزوم .. ربت على كتفه :

-         لا تخف .. ما اسمك ؟

-          بو .. بو

    أخرجت من جيبي قطعة من الحلوى فاختطفها من يدي والتهمها دفعة واحدة ثم ابتسم فبدت أسنان صفراء معوجة ، وراح يمد يديه مرة أخرى . فقلت له :

-         تعال معي وسأعطيك منها كثيرا ..

    سار معي في استسلام .. رحت ألاحظه بطرف عيني .. كان يؤرجح يديه الغليظتين وهو يتعثر في مشيه .. جرى وراء ضفدعة برزت فجأة ثم اختفت .. راح يطارد فراشة كانت تحلق بين الحقول .. يضحك ويبكي في آن واحد .. حتى وصلنا إلى البيت ..

    كان محمد ينظر من النافذة ، ما أن رآنا حتى انزوى في ركن قصي .. نظرت إلى " بو " فوجدته خائفا كأنني أقوده إلى سجن لن يخرج منه أبدا .. رحت أربت عليه مشجعا .. دخل البيت وهو يتلفت يمنة ويسرة ، ثم لاحظ الفئران التي أجري عليها التجارب فجرى نحوها وأخذ يدخل يديه من بين خصاص القفص ليمسك بها ويصيح في هياج :

-         بو .. بو

    عنفته بصوت عال ، فانكمش في ركن من البيت وهو يحيط وجهه بيديه .. أعطيته قطعة كبيرة من الحلوى . حشرها داخل فمه حشرا حتى سال لعابه ممزوجا بالحلوى .. ابتعدت عنه في تأفف ووقفت في النافذة موليا له ظهري ..

    لم أكن أنظر إلى جمال الطبيعة الفطري ، فقد اهتزت صورة الجمال التي كانت في ذهني منذ ساعات قلائل . فعلى مقربة مني مخلوق لا يمت للجمال بصلة .. تنهدت بقوة ، وقبل أن أستدير سمعت صوت محمد :

-         الحق يا دكتور .. " بو " في المعمل ..

    أسرعت إلى معملي فوجدته يعبث بأدواتي وأجهزتي . أمسكت يده بقوة ودفعته خارج المعمل ، بينما ظل يصيح في حالة هياج شديدة وهو يتملص محاولا الخلاص من قبضتي ، فوجدت أن أفضل طريقة للتخلص من هياجه هو حقنه بمخدر سريع المفعول ، ثم وضعته في حجرة صغيرة بالبيت ..

    بعد قليل سمعت طرقا خفيفا على الباب . عندما فتحت وجدت أمامي سيدة تناهز الخمسين من عمرها . بدت شعيراتها البيض أكثر وضوحا أسفل الإيشارب البني الذي انحصر حتى منتصف رأسها .. ومن عينيها أطلت نظرة حزينة فهمت مغزاها . قلت مسرعا

-         أ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

روبوت

كتبها صلاح معاطي ، في 18 ديسمبر 2006 الساعة: 22:12 م

روبوت

 

-         يبدو أن هناك شيئا وقع في مبنى الروبوت الرئيسي .

    هكذا أخبره أحد العاملين بالمبنى عندما سأله عن سبب الجلبة والضوضاء التي تحدث بالداخل ، فقد تجمع عشرات الأجساد أمام المبنى الضخم . أخذوا يروحون ويجيئون في قلق وتوتر بالغين ، وقد تعالت أصواتهم واختلطت فلم يعد يتبين منها شيء .

    راح بعضهم يسرع الخطى نحو الباب الرئيسي لكن اعترضهم شرطي بالباب :

-         ممنوع الدخول يا سادة .

    حدث أحدهم الشرطي بأدب :

-         نحن صحفيون . نريد أن نعرف آخر الأخبار . هل تعطل حقا الكمبيوتر المركزي ؟

-         لم نخبر بهذا بعد .

    ما هي سوى لحظات قلائل حتى كانت عربات التليفزيون تأخذ أماكنها وانشغل العاملون بها بتوصيل الأسلاك  داخل المبنى بينما راح البعض يصعدون وهم يحملون الكابلات فوق أكتافهم .

-         الأمر خطير إذن . ليس إشاعة كما ظننا .

    حدث زميله الذي كان منشغلا بتدوين شيء ما في مفكرته الخاصة ثم أومأ برأسه إيماءة خفيفة وعقب قائلا وهو يدس القلم داخل جيبه :

-         تسلل خالد بين العاملين الداخلين إلى المبنى وسوف يأتينا بالأخبار بعد قليل .

-          ها هو خالد يبدو من بعيد . القلق باد على وجهه ..

    راحا يناديانه في صوت واحد :

-         خالد . خالد .

    انضم خالد إليهما وهو يهمس :

-         وقعت كارثة داخل المبنى .

    ثم سكت ليبتلع ريقه وهما يراقبانه وقد تعلقت أعينهما بشفتيه التي راحت تنطق بصعوبة :

-         اختفى الإنسان الآلي .

    يالها من كارثة .. ترى ما سر اختفائه ؟ . كيف حدث هذا ؟ خاصة وأن المبنى محاط بقوات أمن مشددة .هل عصابة خطيرة هي التي قامت باختطافه ؟ ، أم قوى غير منظورة راحت تتحكم في برامجه الخاصة ؟ .

    قطعت محطات الإذاعة والتليفزيون برامجها لتذيع بيانا هاما للدكتور جلال يعقوب العالم المصري الذي صمم الإنسان الآلي " روبوت " ، وظهرت صورته على شاشات التليفزيون وقد بدا على وجهه ارتباك وقلق بالغين وعرق كثيف تصبب فوق جبينه :

-   يؤسفني أن أعلن عليكم نبأ اختفاء روبوت في ظروف غامضة ، واختفاء روبوت في هذه الظروف إنما يشكل خطرا جسيما علينا جميعا ، لما له أهمية كبيرة على حياتنا ، وسوف تبذل أجهزة الشرطة كافة جهودها لاكتشافه قبل أن يتفاقم الأمر ، لذلك نرجو منكم التزام الهدوء وضبط النفس حتى تتم السيطرة على الموقف .

    عقب بيان الدكتور جلال يعقوب ، أذيع برنامج خاص عن " روبوت " وظهرت صوره على الشاشة تعرض تاريخ إنشائه ومراحل تطوره :

    " وحد لأول مرة منذ تسعة أعوام . أنتجته شركة ( أ . ر . س ) للعقول الذكية ، عندما دعت الضرورة وجود عقل إليكتروني على درجة عالية من الذكاء . وكان روبوت هو أفضل إنسان آلي متطور على الأرض . بداخله طرفيات ذكية على درجة عالية من الدقة والإتقان ، يستطيع استيعاب وتخزين أكبر قدر من البيانات والتعليمات ، أمكن تطويره حديثا ليقوم بكافة الأعمال الإنسانية . ارتاد الفضاء ثلاث مرات وعاد بمعلومات قيمة عن الكواكب والمجرات البعيدة التي تقع خارج مجموعتنا الشمسية . استطاع اكتشاف علاج سريع وفعال ضد مرض السرطان دون إجراء أية جراحات أو علاجات كيميائية ، فكان فتحا عظيما في المجال الطبي . كان لروبوت الفضل في إقامة وتشييد العديد من ناطحات السحاب التي تخترق سماء القاهرة خلال السنوات الخمس الماضية .

    وأهم تطوير حدث للروبوت كان في مجال التصنيع والإنتاج الحربي ، فقد تمكنا من تزويده ببرامج خاصة جعلت منه جيشا بأكمله ، فيستطيع أن يدك أي مدينة على وجه الأرض في بضعة دقائق بواسطة أجهزة إليكترونية دقيقة ومعقدة ، تحمل خلايا نووية يمكنها إلحاق أشد التدمير على الأهداف المحددة . ويستطيع روبوت إصلاح نفسه ذاتيا إذا أصابه عطل ، كما يستطيع أن يبرمج نفسه طبقا لبرنامج مدروس ومخطط جيدا . فبداخله مليون برنامج محددة تشمل جميع نواحي النشاط البشري . "

    شعر الناس في كل مكان بمدى الخطر الذي يمكن أن يلحقهم في غياب روبوت . فقد صار روبوت بالنسبة لهم الحياة . كيف يستطيعون الذهاب إلى أعمالهم بعد توقف الشبكة المرورية الإليكترونية التي تعمل بواسطة روبوت ، وإذا أصابهم المرض يوما كيف سيتمكن الطبيب الإليكتروني من تشخيص المرض ووصف العلاج في غياب روبوت ، من سيدافع عن المدينة إذا هاجمها العدو غير روبوت ، كيف ستعمل شبكة الاتصالات المركزية بشكل طبيعي بدون روبوت ، من سيباشر حركة البناء والتشييد بعد روبوت ، كيف تتواصل العملية التعليمية وبرامج البحث العلمي باختفاء روبوت . من سيحكم المدينة إلا روبوت

    وتسود حالة من الفوضى ، ويجد الفساد لنفسه مكانا متميزا وسط الفوضى ، ويأتي المساء فلا تجد في المدينة غير عاهرة تترنح في الطرقات وهي تطلق ضحكاتها فتوقظ شيطانا آخر ، يهرع إليها لتدفئ له فراشه في تلك الليلة الباردة .

    ذات مساء وسط الظلام الكثيف المخيم على المدينة بدأت رائحة غريبة خانقة تتسرب وتملأ أنوف الناس . وشق السكون صراخ رهيب :

-         حري

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رجلان في مخزن الفحم

كتبها صلاح معاطي ، في 18 ديسمبر 2006 الساعة: 22:05 م

رجلان في مخزن الفحم

 

    رفع الصبي يده ، قذف بالحجر عاليا ، ينطلق الحجر في الهواء ، يسقط فوق رأسه ، وتندفع الدماء غزيرة على وجهه . واندفع الجمع خلفه وهم يصيحون :

-         مجنون معتوه . اقذفوه بالحجارة . حطموا رأسه .

    وانطلق يعدو في الظلام بعوده الفارع الذي يتعدى المترين فبدا كعود يابس حملته الريح في يوم عاصف . ومن خلفه الصبية ترشقه بالحجارة وتلاحقه بالسباب حتى اختفى عن الأعين واندس بين أكوام الفحم المكدسة . دفن جسده بينها فلم يبد منه سوى عينين راحت تحملقان في الظلام مذعورة . شعر بشيء لزج خلف أذنه . تحسسه . قربه من عينيه . كانت دماءه . وراح يحدث نفسه ..

    لماذا يكرهونني ؟ ماذا فعلت ؟ . هل لأن طولي يتعدى المترين ؟ ، أم لأن وجهي ضاعت ملامحه من أثر الحريق ؟ ربما لأن شعري أشعث ولحيتي كثة . لم يزرها الموس منذ أمد بعيد ؟ . ربما . فالناس في أيامنا هذه لا يهتمون إلا بالمظاهر ، القشور ، الشكل الخارجي . أما الجوهر ، اللب ، المضمون لا يعنيهم في شيء ..

    تحسس وجهه الذي أتى عليه الحريق فأصبح كقطعة من العجين وهمس .. لم أر وجهي منذ الحريق . فما الذي يفيدني لو رأيته . أعلم تماما أني سأرى صورة قبيحة لإنسان اندثرت معالمه وأصبح حطاما ، ومع ذلك مازالت صورتي القديمة باقية في مخيلتي لم تمسها النيران كل ما يبدو لي من هيأتي الآن جوال الفحم الذي أستر به عورتي ، وقدماي وذراعاي اللذان اختلط سوادهما الناتج من أثر الحريق بسواد الفحم الذي أدفن نفسي فيه كل ليلة تجنبا لبرد الشتاء واتقاء لقذف الحجارة . عادت الأصوات بالخارج :

-         إنه داخل مخزن الفحم . اقضوا عليه في الحال .

    انكمش داخل جوال الفحم وهو يقول محدثا نفسه .. ليس لي صديق في هذا العالم . لا بل لي صديق . صديق واحد كان يتردد علي قديما ، أما الآن فافترقنا . لم أعد أذكره . لا أذكر اسمه ولا عنوانه . كل ما أذكره طوله الفارع الذي يتعدى المترين مثلي ، أما وجهه فكانت ملامحه جادة ذو شارب رفيع ولحية صفراء كتلك التي للعلماء وفلاسفة الإغريق . كان صوته عميقا تشعر حين يتكلم أنه آت من الفضاء السحيق . فإذا قال صمتت الأصوات ، وإذا نطق خرست الألسن .

    تنهد بعد أن بلع ريقه .. هييه . أين أنت يا صديقي ؟ ذهبت وتركتني وحيدا ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb